الشيخ محمد هادي معرفة

348

تلخيص التمهيد

ثمّ أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث ويوم القيامة ، ومجازاة اللَّه تعالى من آمن به واتّقاه بالجنة ، ومن ضلّ من عبادة النار ، فجمع بين الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته . ثم سأل المشركين عمّا كانوا يعبدون سؤالًا ثانياً عند معاينة الجزاء ، وهو سؤال موبّخ لهم مستهزئ بهم . وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال ، وتمنّي العودة ليؤمنوا . . . قال ابن الأثير : ويا للَّه‌العجب كيف يزعم الغانمي أنّ القرآن خالٍ من التخلّص ؟ ! ألم يكفه سورة يوسف عليه السلام فإنّها قصّة برأسها ، وهي مضمّنة شرح حاله مع إخوته من أوّل أمره إلى آخره . وفيها عدّة تخلّصات في الخروج من معنىً إلى معنى ، وكذلك إلى آخرها . ولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت . ومن أنعم نظره فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة « 1 » . قال بدر الدين الزركشي - ردّاً على مزعومة الغانمي - : ومن أحسن أمثلته قوله تعالى : « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . الآية » « 2 » فإنّ فيها خمس تخلّصات ، وذلك أنّه جاء بصفة النور وتمثيله ، ثم تخلّص منه إلى ذكر الزجاجة وصفائها ، ثمّ رجع إلى ذكر النور والزيت يستمدّ منه ، ثمّ تخلّص منه إلى ذكر الشجرة ، ثم تخلّص من ذكرها إلى صفة الزيت ، ثمّ تخلّص من صفة الزيت إلى صفة النور وتضاعفه ، ثمّ تخلّص منه إلى نِعم اللَّه بالهدى على من يشاء . ومنه قولك « سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ . . . الآية » « 3 » فإنّه سبحانه ذكر أولًا عذاب الكفّار وأن لا دافع له من اللَّه ، ثم تخلّص إلى قوله : « تعرج الملائكة والروح إليه . . . » بوصف « ذي المعارج » !

--> ( 1 ) . المثل السائر : ج 3 ص 128 - 132 . ( 2 ) . النور : 35 . ( 3 ) . المعارج : 1 - 4 .